تم تطبيق أساليب اروسميث-يونغ في 35 مدرسة في جميع أنحاء كندا والولايات المتحدة.
تصوير: سارة لي لصحيفة الغارديان
|
هي نوع من الذكريات التي تبقى مع المرء. فعندما كانت باربرا اروسميث يونغ (Barbara Arrowsmith-Young) في الصف الأول بمدرسة أونتاريو الابتدائية، أخبرت مدرّستُها والدتـَـها -أثناء تواجد باربرا- بأن لديها نوعاً من "الإعاقة العقلية"، وأنها لن تكون قادرة على التعلم. باربرا الآن ساعدت أكثر من 4000 معاقاً، الأطفال منهم على وجه التحديد، في التغلب على هذا النوع من التشخيص. وبطبيعة الحال، قالت أنها يمكن ان تضحك على ذلك الآن، لكنها لم تكن كذلك حينها.
باربرا اروسميث يونغ التي تبلغ من العمر 61 عاماً الآن، تتحدث بطلاقة وبحماس كبير ومع سعة اطلاع. نالت درجة الماجستير في علم النفس المدرسي. وقد نشرت للتو الكتاب الذي يعتبر حجر الأساس، والذي أُثني عليه على نطاق واسع: "المرأة التي غيّرت دماغها". ولكنها حين كانت طالبة في المدرسة -في الواقع، إلى أن بلغت من العمر منتصف العشرينيات- كانت يائسة بشدة، ومعذَّبة ومكتئبة في كثير من الأحيان. إذ لم تكن تعرف ما هو الخطأ.
فمن ناحية، كانت ذكية. كانت لديها ذاكرة سمعية وبصرية شبه كاملتَين. "كنت أستطيع أن أستمع إلى أخبار الساعة 6 مساءً، وأعيدها كلمة بعد كلمة في الساعة 11. كنت أستطيع أن أفتح كتاباً واقرأ الجملة الأولى والثانية والثالثة، وأحفظهم في مخيلتي. كانت لدي المقدرة في أن أحفظ الكتب العملية كلها. " من ناحية أخرى، كنت بلهاء إذ "لم أكن أفهم شيئا"، كما تقول، "معاني الأشياء لا تتبلور لدي. كل شيء مجزأ، ومنفصل عن بعضه البعض."
كانت لديها المقدرة على أن تسرد سيناريوهات الأفلام، ولكن لم تكن لديها القدرة على فهم العلاقة بين عقارب الساعة لمعرفة الوقت. لذلك ففي الامتحانات، كانت تحصل على 100٪ في كثير من الأحيان. لكن في الأوقات الأخرى، كلما كانت المهمة تنطوي على المنطق، والاتصال، والتفسير، أو عندما تنال معلومات خاطئة من ذاكرتها، فإنها تحصل على 10٪. "إن المعلمين لم يكونوا يفهمون"، كما تقول. "في المدرسة اعتدت على أن أعاقَب، لأنني لم أكن أحاول. كانوا يعتقدون حقا أنني لم أكن أحاول."
والدتها، وهي مدرّسة، ابتكرت سلسلة من البطاقات التعليمية التي تحوي أرقاماً وحروفاً، وبفضل الكثير من العمل الشاق، استطاعت القراءة والكتابة والحساب، نوعاً ما. "كنت ولفترة طويلة أعكس كل الحروف والأرقام"، كما تقول. وقال "لم أكن أربط بين المعاني والرموز". في المرحلة الثانوية وما بعدها في الجامعة، قالت إنها أخفت صعوبات التعلم المتعددة لديها عن طريق العمل لمدة 20 ساعة في اليوم: "في الليل، اعتدت على الاختباء في الحمام عندما كان حراس الأمن يجوبون مكتبة الكلية، ثم كنت أعود وأستمر في ما كنت أقوم به."
حدثت نقطة التحول لديها عندما كان عمرها 26. حيث قدّم طالب زميل لها كتاباً من قِبل روسي متخصص في الطب العصبي النفسي وهو ألكسندر لوريا (Aleksandr Luria) باسم: الرجل ذو العالم الممزق. كان الكتاب يحوي بحث لوريا وتأملاته حول كتابات جندي روسي ذكي للغاية، ليوفا زازتسكي (Lyova Zazetsky) والذي كان قد أصيب بعيار ناري في الدماغ في معركة سمولنسك في عام 1943، وقد قام بتسجيل معلومات إعاقاته اللاحقة بشكل مفصل جداً.
تقول باربرا وللمرة الأولى: "قد تعرفتُ على شخص يصف بالضبط ما عشته. تعبيراته كانت واحدة: العيش في حياة كالضباب. وصعوباتهما كانت متطابقة: فهو لا يستطيع معرفة الوقت من الساعة، ولم يكن يستطيع فهم الأكبر والأصغر من دون رسم الأشكال، لم يكن يستطيع معرفة الفرق بين الجملتين الصبي يطارد الكلب و الكلب يطارد الصبي. بدأت أرى أنه ربما تكون هناك مساحة من ذهني لم تكن تعمل."
بقراءة بحث لوريا فقد تعلمت باربرا أن الرصاصة التي أصابت زيتسكي قد استقرت في الجزء الأيسر من الجدار الخلفي للرأس -وهي منطقة تقاطع حرجة حيث يتم فيها توليف وتحليل وربط جميع المعلومات القادمة من فصوص الدماغ المسؤولة عن النظر والسمع واللغة واللمس. لذلك أدركت باربرا أن هذه المنطقة من دماغها، تحت جميع الاحتمالات، هي المتعطلة لديها منذ ولادتها.
بعد ذلك قرأت باربرا عن عمل مارك روزنزويج (Mark Rosenzweig)، وهو باحث اميركي وجد أن الفئران المختبرية التي يتم توفير بيئة غنية ومحفزة لها، من خلال عجلات اللعب والدمى، نمت لديها أدمغة أكبر من تلك التي ظلت محبوسة في أقفاص معزولة. وخلص روزنزويج أن الأدمغة تستمر في النمو وإعادة تشكيل نفسها على أساس تجارب الحياة، بدلاً من أن تكون ثابتة عند الولادة: وهو مفهوم يعرف باسم "المرونة العصبية". قررت باربرا أنه إذا كان باستطاعة الفئران أن تنمي ادمغتها بشكل أكبر وأفضل فإنها تستطيع ذلك.
لذلك بدأت باربرا في ابتكار تمارين لتحفيز دماغها تقوم بتنشيط الأجزاء التي لم تكن تعمل، فقد قامت برسم 100 ساعة (بعقارب الساعة والدقيقة) على بطاقات، في كل واحدة منها وقت مختلف، وكتبت وقت كل ساعة على ظهر البطاقة. ثم بدأت في محاولة معرفة الوقت في كل بطاقة، والتحقق من على ظهرها في كل مرة لمعرفة ما إذا كانت الإجابة صحيحة أم لا. قامت بهذه التمارين لمدة 8 إلى 10 ساعات يومياً، وتدريجياً، أصبحَت أسرع وأكثر دقة. بعد ذلك أضافت عقرب الثواني لجعل المهمة أكثر صعوبة. ثم عقرباً رابعاً لأعشار الثانية، وخامساً لأيام الأسبوع.
تقول باربرا: "كنت أعاني من الإرهاق الذهني كما لو لم يحدث لي سابقاً"، وتضيف: "لذلك علمت أن شيئاً ما كان يحدث. وحينما مرت عليّ ثلاثة أو أربعة أشهر من ممارسة ذلك، شعرت حقاً كما لو أن شيئاً قد تحوّل، شيئاً ما قد تغيّر جذرياً في دماغي وكان يسمح لي بمعالجة وفهم المعلومات. شاهدت حلقة من برنامج (60 دقيقة)، مع صديقة، واستوعبت ما جاء فيه. قرأت صفحة من كتاب الفيلسوف كيركيغارد (Kierkegaard) -لأن الفلسفة مفاهيمية ومجرّدة بشكل جليّ، لذلك فقد كان من المستحيل عليّ فهمها- لكنني فهمتها. قرأتُ صفحات من 10 كتب، وفهمتُ كل واحدة. سبحان الله! كنتُ كمن يَخرُج من الظلمات إلى النور."
وضعت باربرا تمارين أكثر، لأجزاء مختلفة من دماغها، ووجد أنها نجحت أيضاً. حين ناهزت الثلاثين، أخيراً بدأت في العمل بشكل طبيعي. ما حدث كان جذري التغيير، ليس فقط بالنسبة لها. "في ذلك الوقت"، كما تقول، "فكل عمل حول صعوبات التعلم كان تعويضياً: حيث يتم تجزيء المهمة لخطوات صغيرة، ونقل المعلومات في قطع أصغر، مع مساعدة الطلاب على الآلات الكاتبة وأجهزة التسجيل. كل شيء بدأ من منطلق أن المتعلم غير قابل للتغيير، ولكن كنت أشاهد وأثبت أن المتعلم من الممكن تغييره.
نظراً للتقبّل الضعيف أو المنعدم لأفكارها، فقد قررت باربرا تولي مسؤولية التغيير بنفسها. لذلك فقد أسست مدرستها الأولى في تورنتو عام 1980م، وهي تقول إن لديها الآن 35 مدرسة في كندا والولايات المتحدة، معظمها تعمل تحت ترخيص صارم. وقد ابتكرت هي وزملاؤها الموظفون تدريبات معرفية أثبتت فعاليتها بشكل مذهل في مساعدة 19 وظيفة معرفية ضرورية للقراءة، أو الكتابة، أو الرياضيات، أوالفهم العام، أو التفكير المنطقي، أو الذاكرة البصرية أو المعالجة السمعية.
هناك الآلاف من الأطفال الذي تم تشخيص حالتهم على أنها اضطراب نقص الانتباه (ADD)، أو قصور الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، أو عسر القراءة (dyslexia)، أو خلل الكتابة (dysgraphia)، وعلى أساس ذلك قيل باستحالة تعليمهم، لكنهم حضروا في مدارس باربرا لمدة ثلاث أو أربع سنوات، وبعدها عادوا إلى المدارس النظامية، وحققوا نجاحات أكاديمية ومهنية. "السبب هو أنهم في الواقع لم يكونوا يعانون من المرض الذي شُخصوا به"، كما تقول باربرا. وتضيف "لا يعانون حقاً من قصور الانتباه وفرط الحركة (ADHD) أو من عسر القراءة (dyslexia). بل كل ما في الأمر أن لديهم بضع أجزاء معرفية لا تعمل كما يجب. الأمر يجب أن يتخطى التسمية."
على مدى السنوات الخمس أو الست الماضية، أصبحت المؤسسات المتخصصة في علم النفس التربوي تضع عمل باربرا اروسميث يونغ بعين الاعتبار بشكل أكبر. فالأطباء النفسيون (ذوو الكتب الأكثر مبيعاً) والكتاب مثل نورمان دويدج (Norman Doidge) وأوليفر ساكس (Oliver Sacks) أشادوا باحترام بباربرا بصفتها رائدة في مجال المرونة العصبية الواعد. حلمها هو أن يتمكن كل طفل من القيام ببعض الأعمال المعرفية في وقت مبكر -في حدود خمس أو ست سنوات- للتعرف على الصعوبات المحتملة، وتصحيحها.
"التفاوت المعرفي مع متطلبات المهمة هو سبب في العديد من جوانب المعاناة البشرية"، كما تقول. "فقد حدث الكثير من التشخيص الخاطئ، وخسر الكثير من الأطفال فرصة الانضمام إلى التعليم النظامي، كما اتخذ الكثير من الناس قرارات خاطئة. مما جعل الكثير من الناس في نهاية المطاف أن يصلوا في حياتهم واعمالهم لأمور لم يختاروها لأنفسهم، بل تم اختيارها لهم من قبَل القيود المعرفية التي يمكن أن يُتعرَّف عليها ويتم تذليلها. فالدماغ في نهاية المطاف يمكن تغييره".
مشاهدة صفحة التقرير